فوزي آل سيف

26

فقه العلاقات الاجتماعية

بقصد إيذاء والديه .. فلا حرمة . ومثل ذلك ما لو امرت الأم ابنها بتطليق زوجته لأنها لا تحبها مثلاً فلبس على الولد إطاعة أمه ولا يلزمه تطليق زوجته [102]. وأوضح منه في عدم لزوم الطاعة لو كانت دراسته تقتضي سفره ويتوقف مستقبله العملي أو المعاشي على هذا السفر ، وكان أبوه يحزن أو أمه تستوحش لسفره ، فإنه ليس واجبا عليه أن يترك السفر لأجل ذلك .. إذ السفر عمل مباح لا حرمة فيه ، وقد تجرد عن قصد إيذاء أبويه ، فلا مانع منه ، وإن كان تأذيهما يحصل من غير رغبة منه ولا قصد في ذلك .. نعم لو منعه الوالدان من السفر من جهة تأذيهما بسفره ، ولم تكن مصلحة شرعية راجحة في السفر لم يجز ، وهكذا في سائر الأمثلة . وقد يقال إن هناك روايات تقول : إن من أحزن والديه فقد عقهما فيكون السفر المذكور أو التزويج السابق مصداقا من مصاديق العقوق المحرم .. وجوابه : أن ذلك صحيح لو كان بضميمة قصد حصول الحزن ، ولعل التعبير بـ ( أحزن ) فيه إشارة إلى هذا ، ففرق بين أن يحصل الحزن من العمل ، وبين العمل بقصد تحقق الحزن . ولذلك فقد ذكر السيد الخوئي في شرحه على العروة في مسألة وجوب صلاة الجماعة بأمر الوالدين حيث لم يستبعد السيد اليزدي وجوب ذلك ، علق عليه مخالفا بما يلي : بناءا على وجوب إطاعتهما مطلقاً ، على حد إطاعة العبد لسيده . ولكنه لم يثبت ، لعدم الدليل عليه ، وإنما الثابت بمقتضى الآية المباركة وغيرها وجوب حسن المعاشرة وأن يصاحبهما بالمعروف فلا يؤذيهما ولا يكون عاقا لهما ، وأما فيما لا يرجع إلى ذلك فوجوب الإطاعة بعنوانها بحيث لو أمراه بطلاق الزوجة ، أو الخروج عن المال وجب الامتثال ، فلم يقم عليه أي دليل . نعم ورد في بعض الأخبار ، أنه : " إن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل ، فإن ذلك من الإيمان " . لكنه حكم أخلاقي استحبابي قطعا ، كما يومي إليه ذيل الخبر كيف وقد كان يتفق النزاع بين الوالد والولد في الأموال ، فكان يقضي بينهما النبي صلى الله عليه وآله ، كما تضمنه بعض النصوص[103] ؟ ! وقد فصل القول في المسألة الشيخ الفياض في تعليقته على العروة في كتاب الاعتكاف فقال : انه لا شبهة في حرمة إيذائهما ، بل إيذاء كل مؤمن لأن كل فعل صادر من شخص بغاية الإيذاء لغيره فهو محرم ، وأما إذا كان بغاية أخرى ولكن قد يترتب عليه إيذاء غيره ، كما إذا فتح محلا في السوق بغاية الكسب والتجارة ، ولكن قد يترتب عليه إيذاء غيره من جهة انه يرى فيه المزاحمة لمهنته وشغله ، الا أن هذا الإيذاء لا يستند إليه لدى العرف والعقلاء باعتبار ان قيامه بالعمل المذكور إنما هو حق مشروع له ، وليس لأحد أن يزاحمه فيه ويمنعه منه . وإن شئت قلت : إن كل من قام بحرفة وشغل للرزق والكسب الحلال ، أو قام بمهنة كالتدريس أو نحوه ، أو ما شاكل ذلك فقد قام بحقه المشروع شرعاً وعرفا وليس لأحد أن يمنعه عن القيام بذلك ، وأما انه قد يتأذى غيره به فهو لا يرتبط بذلك الشخص بقدر ما يرتبط بنفسه . ومن هنا يظهر حال الولد بالنسبة إلى الأب والأم ، فان ما هو واجب عليه المعاشرة بالمعروف وحسن السلوك معهما ، ولا تجب عليه تلك المعاشرة بالنسبة إلى غيرهما ، وعلى هذا فمن حق الولد أن يقوم بكل عمل أو مهنة مشروعة ولا يحق للأب أو الأم أن يمنعه عن القيام بذلك ، فله أن يقوم بحرفة التجارة أو السياقة أو نحوهما أو يقوم بدراسة دينية وممارستها بغاية الخدمة للدين أو بدراسة جامعية ومزاولتها بغاية الخدمة للمجتمع الإسلامي وهكذا ، فان قيامه بكل ذلك حق مشروع له ولا يحق لأي منهما منعه عن القيام به ، وأما إذا ترتب على ذلك إيذاؤهما فهل انه

--> 102 ) في صراط النجاة 2/400 : إذا أمرت الوالدة ولدها بتطليق زوجته، فهل يجب عليه اطاعتها؟ وما الحكم لو قالت له: (ان لم تطلق زوجتك فأنت عاق )؟ أجاب السيد الخوئي: لا يجب اطاعتها في ذلك، وعليه فالكلمة المزبورة لا أثر لها والله العالم. ووافقه الشيخ التبريزي ، ومثل ذلك عن السيد السيستاني في فقه المغتربين 103 ) مستند العروة كتاب الصلاة 5 ق 2 / 32